علي بن أحمد المهائمي
598
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
أغضبه ) من عبادة العجل ؛ لأنه مكتوب فيها وأصلها السامري ، فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار ، وهذا ( مما هارون بريء منه ) ، فلم يكن معينا فيها بل مانعا عنها بقوله : إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [ طه : 90 ] ، والرحمة التي كان يجدها موسى لو ثبتت في نظره فيها هي ( الرحمة بأخيه ) المانعة من هتك رحمته لما فيه من قطع الرحم وهتك رحمة الكبير ، ( وكان لا يأخذ بلحيته ) سيما إذا كان ثمة أي : ( من قومه مع كبره ) في السن ، ( فإنه أسن منه ) والكبر في السن يستوجب الحرمة من كل أحد حتى ممن هو أكبر منه في النبوة أو في فضيلة أخرى ، فهذا الفعل من موسى ، وإن كان عن غضب وغيرة في اللّه فهو بسبب العجلة لا شكّ أنه ترك الأولى والأنبياء يؤاخذون بذلك ، ( فكان ذلك ) القول وترك الغضب ( من هارون شفقة على موسى ) غلبت عليه ؛ ( لأن نبوة هارون من رحمة اللّه ، ولا يصدر منه إلا مثل هذا ) ، وإن كانت الرحمة الرحمانية عامة ، لكنها إذا رحمة الغضب لم تكن رحمة على المغضوب عليه ، وكأن نبوته رحمة على موسى إذ وهب له من الرحمة ، ولم يغلب على موسى ؛ لأن نبوته من جميع الأسماء الإلهية الشاملة على الغضب والانتقام ، فغضب في موضعه في ظنه . [ ثمّ قال هارون لموسى - عليهما السّلام : إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ [ طه : 94 ] ؛ فتجعلني سببا في تفريقهم فإنّ عبادة العجل فرّقت بينهم ، فكان منهم من عبده اتّباعا للسّامريّ وتقليدا له ، ومنهم من توقّف عن عبادته حتّى يرجع موسى عليه السّلام إليهم فيسألونه في ذلك ، فخشي هارون أن ينسب ذلك الفرقان بينهم إليه ، فكان موسى أعلم من هارون ؛ لأنّه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه بأنّ اللّه قد قضى ألا يعبد إلّا إيّاه ، وما حكم اللّه بشيء إلّا وقع ، فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتّساعه ، فإنّ العارف من يرى الحقّ في كلّ شيء ، بل يراه عين كلّ شيء ؛ فكان موسى يربّي هارون تربية علم ، وإن كان أصغر منه في السّنّ ] . ثم أشار إلى أن موجب الغضب لا إلى هذا الحدّ بقوله : ( ثم ) أي : بعد ما قال هارون ما ذكرنا ( قال هارون لموسى - عليهما السلام : ) معتذرا عما غضب عليه من تركه التشديد في الإنكار خوفا من الأضرار عن العناد الناشئ من التشديد ( أني خشيت ) في التشديد ( أن تقول : فرقت ) أي : أدمت التفريق ( بين بني إسرائيل ) مع وقوعه من غيري ؛ لأن الدوام أشد من الابتداء إذا زال سريعا ، ( فتجعلني سبب ) ابتداء وانتهاء ( في تفريقهم ) ، بل يجعل التفريق من غيري كاللاتفريق ، ( فإن عبادة العجل فرقت بينهم ) تفريقا غير تام في البعض مطلقا ، وإن تم في الآخرين من وجه ، ( فكان منهم من عبده اتباعا للسامري ) مع